1 عند الفجر، سار يوسف مع مريم ويسوع إلى أرض كنعان، ونزلوا في مدينة تُدعى متيام أو ماديام. وكان يسوع حينها في السادسة من عمره وثلاثة أشهر. وبينما كان يسير في المدينة، رأى في مكان ما جماعة من الأطفال، فتوجه نحوهم. فلما رآه بعضهم يقترب، قالوا: ”ها هو ذا طفل غريب قادم، فلنطرده“. وقال آخرون: ”وماذا يضرنا وهو طفل مثلنا؟“
2 ثم ذهب يسوع وجلس بجانبهم، وسألهم: لماذا أنتم صامتون؟ وماذا تقولون؟ ماذا تنوون أن تفعلوا؟ فأجاب الأطفال: لا شيء. لكن يسوع أصرّ: من منكم يعرف لعبة؟ فأجاب الأطفال: لا نعرف لعبة. فصاح يسوع: انظروا جميعًا! ثم أخذ طينًا من الأرض، وعجنه على شكل عصفور، ونفخ في رأسه، فطار العصفور كأنما دُبّت فيه روح. فقال يسوع: تعالوا، اذهبوا وامسكوا هذا العصفور. فنظروا إليه بدهشة وانبهروا بالمعجزة التي صنعها يسوع.
3 ثم عجن التراب من الأرض مرة أخرى، ونثره في الهواء نحو السماء. فتحول التراب إلى عدد كبير من الذباب والبعوض، فامتلأت المدينة كلها به، وأزعج الناس والحيوانات بشدة. ثم أخذ طينًا آخر، وصنع منه نحلًا ودبابير، وسكبها على الأطفال، فأثار ذعرهم وأخافهم بشدة. لأن تلك الحشرات، إذ كانت تسقط على رؤوس الأطفال وأعناقهم، كانت تنزلق داخل ثيابه إلى صدره وتلدغهم. فصرخوا وتحركوا من جانب إلى آخر وهم يصرخون. لكن يسوع، لكي يهدئهم، ناداهم بلهجة لطيفة، ومرر يده على اللدغات، وقال لهم: لا تبكوا، لأن أطرافكم لم تعد تؤذيكم. فسكت الأطفال. ولما رأى سكان المدينة والمنطقة هذه العجائب، قالوا فيما بينهم: من أين يأتي هذا الغزو من الذباب والبعوض الذي أصابنا؟ قال الأطفال: إنه من صبي، ابن رجل أجنبي عجوز أبيض الشعر، هو الذي صنع هذه المعجزة. فصرخوا جميعًا: أين هو؟ قال الأطفال: لا ندري. (إذ كان يسوع قد هرب من هناك واختفى عن أنظاره). أما الذين سمعوا بكل أعمال يسوع، فقد اشتهوا رؤيته، وقالوا: هذا من عند الله وليس من عند البشر.
4 وبعد ثلاثة أيام، خرج يسوع ليتجول سرًا في المدينة. واستمع إلى أحاديث الناس وهم يتهامسون فيما بينهم: من رأى في هذه المدينة ابن شيخٍ مُسنّ، يشهد له الجميع أنه يصنع معجزات لا تعرفها آلهتنا؟ فقال آخرون: صدقتم، فهذا الصبي يعرف كيف يفعل كل ما يشاء. فلما سمع يسوع هذا الكلام، عاد بهدوء إلى بيته واختبأ هناك حتى لا يعلم أحد بشيء. وبعد أيام، ذهب يسوع ليلتقي بالأطفال في مثل عمره، فلما رأوه، ذهبوا جميعًا لاستقباله بفرح وسجدوا له قائلين: مرحبًا بك يا يسوع، ابن الشيخ الجليل. لماذا اختفيتَ، وحرمتنا من وجودك، طوال الأيام العديدة التي لم تأتِ فيها إلى هذا المكان؟ كلنا… (هنا يوجد في المخطوطة فراغ، وبعده يستأنف النص سرد القصة على النحو التالي:)… فجاؤوا إلى هناك يبكون ويندبونه ندبًا شديدًا. وكان الصبي في السابعة من عمره. وبعد ساعة، سأل والدا الصبي الصغير: أين ذلك الصبي الذي قتل ابننا بحجر؟ فأجابوا جميعًا: لا نكترث. فحمل والداه جثته إلى منزله. وذهبوا إلى قاضي المدينة، فأخبروه القصة كاملة. فأمر القاضي بالقبض على الصبيين وإحضارهما أمامه. ولما وصلا، استجوبهما، وقال لهما: أيها الشباب والأطفال، كبارًا وصغارًا، المجتمعون هنا في قاعة الجمهور، تذكروا صغر سنكم! لا تظنون أن صراخكم ودموعكم ستدفعني إلى تبرئتكم من وخز الضمير، أو أنني سأطلق سراحكم بشفاعة أو هبة، كما تعتقدون بلا شك. لن يكون هناك شيء من هذا، بل سأجعلكم تُعذبون عذابًا شديدًا مرارًا وتكرارًا، وتهلكون ميتة شنيعة. لا تتوهموا في هذا الأمر، فبعضكم يقول لنفسه إنكم أبناء عائلة، وبعضكم أبناء فقراء، وتظنون أن القاضي سيرحم من يشاء. كلا! أقسم لكم بقوة آلهتي وبجلال إمبراطوري، أنكم جميعًا، مهما بلغ عددكم، ستُدانوا في هذا اليوم بالذات. أخبروني إذن، من منكم قتل ذلك الطفل، فأنتم جميعًا الذين كنتم هناك تعرفونه. فأجابوا بصوت واحد: أيها القاضي، استمع إلينا، ولاحظ أننا نشهد فيما بيننا، تحت القسم، أننا أبرياء! أجاب القاضي: لقد أخبرتكم من قبل، وأكرر الآن، أنني أتحدث إليكم بهذه الطريقة، لا بنبرة تهديد، بل بنبرة إحسان. لا تتستروا على جريمتكم، إن كنتم لا تريدون أن تموتوا مثل ذلك الطفل، دون أن يعينكم أحد. فأجاب الصبيان: أيها القاضي، نحن نقول لك الحقيقة كما نعرفها! وإذ لا نستطيع معرفة الجاني، فلماذا نسلم بريئًا للموت بكذبة؟ أكد القاضي: سأعاقبكم بشدة، ثم سأجعلكم تموتون ظلمًا إن لم تكشفوا لي الحقيقة. أصرّ الصبيان، مرددين: نقف أمامك معًا. سنقول كل ما تأمرنا به، وكل ما نعرفه. ونظرًا لإصرارهم على الرفض، غضب القاضي وأمر بتجريدهم من ملابسهم وجلدهم بنبات اللبلاب النيء. أما قاتل الطفل، فقد خاف من القاضي، فصرخ قائلًا: أيها القاضي، حررني من هذه القيود وسأريك من هو قاتل الطفل. أمر القاضي بإطلاق سراحه، ثم دعاه إليه، وربّت عليه بكلمات طيبة، وقال: اشرح لي كل ما تعرفه بدقة ووضوح. فقال الصبي: اسمعني أيها القاضي! كنتُ هناك، منعزلاً وبعيداً عن الجميع، فرأيتُ يسوع الصغير، ابن يوسف العجوز الغريب، الذي جرح ذلك الطفل بحجرٍ جرحاً مميتاً أثناء لعبه، ثم فرّ هارباً. سأل القاضي: وهل كان معكم آخرون حين مات الطفل؟ وهل هم شهود على أن يسوع هو من فعل ذلك؟ فأجابوا جميعاً بصوت واحد: نعم، هو. قال القاضي: ولماذا لم تُخبروني حالما جئتم إلى هنا؟ قال الصبيان: ظننا أننا أخطأنا حين وشى به لكونه ابن غريب فقير. قال القاضي: وهل ترون من الأفضل إدانة بريء قانونياً، بدلاً من إطلاق سراح من يستحق الموت؟ ثم أمر بالقبض على يوسف، واستجوبه، وأمر بإجراء عمليات بحث عبثية للعثور على يسوع. ولكن بينما كان يستجوب يوسف مرة أخرى، دخل يسوع فجأة إلى قاعة المحكمة. دار نقاش حادّ وجدال طويل بين يسوع والقاضي، الذي استشاط غضبًا، فأرسل في طلب الصبيين وقال لهما: “أخبراني الحقيقة كاملةً، لأكون على دراية تامة. هل أنتما من تسبب في هذه الوفاة، أم يسوع الصغير؟” فأجابا: “أنت هو السبب”. فأحيا يسوع الميت وأجبره على تحديد القاتل الحقيقي، ففعل. ولما اكتشف الضحية بنفسه حقيقة الأمر، عاتب يسوع القاضي بشدة. “وحفظتُ حياة الصبي حتى الساعة التاسعة من النهار، حتى يتسنى للجميع رؤيته قائمًا من بين الأموات”. ثم أخذ يسوع الكلمة وقال للطفل: “شاول بن سايفور، نم الآن واسترح، حتى يأتي القاضي العام، الذي سيصدر حكمًا عادلًا”. ولما قال هذا، انحنى الصبي ونام. فلما رأى ذلك، ارتبك جميع الذين شهدوا هذه المعجزة وسقطوا كالأموات. ولم يجرؤوا على النظر إلى يسوع. وفي شدة رعبهم، ارتجفوا أمامه، وتضاعفت دهشتهم لصغر سن صانع المعجزات. أراد يسوع أن يرحل، لكن هؤلاء الناس توسلوا إليه قائلين:ارجع إلى الحياة التي أقمتها. لكن يسوع رفض ذلك وقال: لو كنتم قد آمنتم بكلامي وقبلتم شهادتي منذ البداية، لما عجزت عن تلبية طلبكم هذا. ولكن بما أنكم تآمرتم لإدانتي ظلمًا، وغضبتم عليّ بشهادة زور، فقد أقمت ذلك الطفل لأشهد ضد اتهاماتكم، وهكذا نجوت من الموت. وبعد أن قال هذا، اختفى يسوع عن أنظاره. فأخرجوا يوسف من سجنه وأطلقوا سراحه. وذهب كثيرون ممن كانوا يبحثون عن يسوع ولم يجدوه، فسألوا يوسف: أين ابنك ليذهب ويقيم الصغير؟ فأجاب يوسف: لا أعلم. وفي اليوم التالي عند الفجر، قام وأخذ الطفل وأمه، وغادر المدينة. وكان عمر يسوع حينها ست سنوات وأحد عشر شهرًا. ووصلوا إلى قرية تسمى إيايل، حيث عاشوا لفترة طويلة.
5 وفي أحد الأيام، تشاور يوسف ومريم بشأن يسوع، وقالا: ماذا نفعل به؟ فنحن نعاني بسببه الكثير من المضايقات والهموم من الناس في جميع المدن، ما الذي نتحمله؟ نخشى أن يُؤخذ يومًا ما قسرًا أو سرًا، فنهلك معه. فقال يوسف: بما أنكما تسألانني، فهل فكرتما في اتخاذ أي إجراء في هذا الشأن؟ فقالت مريم: أنت ترى جيدًا أنه أصبح طفلًا كبيرًا، ومع ذلك فهو يذهب حيثما يشاء، ولا يمكث في المنزل لحظة. إذا أردتما، يمكننا أن نكرسه لمهنة الكاتب، فيبقى تحت رعاية معلم، فيتدرب على جميع أنواع الدراسات ومعرفة الشرائع الإلهية، فنعيش في سلام.
6 قال يوسف: أنتِ على حق. ستتحقق مشيئتكِ. قالت مريم: إن لم تُوجّه اهتمامك إلى أي مكان للدراسة، وأنتَ بالفعل ماهرٌ وقادرٌ على فهم كل شيء، فلن تخضع لمعلم. قال يوسف: لا تخافي منه، لأن مظهره مليء بالغموض، وأعماله عجيبةٌ ومذهلةٌ. ولهذا السبب نجوب الأرض كبدوٍ بلا وطن، ننتظر أن يُبيّن لنا الرب مشيئته، ويُلبّي، لمصلحتنا، رغبات قلوبنا. لاحظت مريم: أنا قلقةٌ جدًا بشأن ذلك، ولا أعرف ما سيحدث لاحقًا. أجاب يوسف: لاحقًا، في ساعة المحنة، سينقذنا الرب من المصائب. لا تحزني. وبعد هذه الكلمات السرية، صمت الزوجان.