1 وبعد خمسة عشر يومًا، فكّر يسوع أن يُظهر نفسه قليلًا للناس. وبينما كان يسير في الطريق، التقى بجنديين كانا يتشاجران بشدة أثناء سيرهما، وكانا يُريدان الانتقام من بعضهما انتقامًا دمويًا. فلما رآهما يسوع من بعيد، التفت إليهما وسألهما: ”لماذا أنتما غاضبان إلى هذا الحد، وتُخططان لقتل بعضكما؟“ لكن قلوبهما كانت مليئة بالغضب والسخط فلم يُجيبا. ولما وصلا إلى مكان مُعين، أمام بئر، جلسا قرب الماء وهددا بعضهما بالشتائم. وكان يسوع قد جلس أيضًا بجانبهما، واستمع إلى جدالهما. ففكر أحدهما، وهو الأصغر سنًا، وقال في نفسه: ”هو أكبر سنًا، وأنا أصغر، ومن الأنسب له أن يخضع لي. ويل لي!“ لكن لماذا أغضبه وأزعجه؟ سأتنازل بشدة عن درجتي لصالح درجتك.
2 وبعد ذلك، نظر الجندي حوله فرأى يسوع جالسًا بهدوء، فسأله: من أين أتيت يا بني؟ إلى أين أنت ذاهب؟ ما اسمك؟ فأجابه يسوع: لو أخبرتك لما فهمتني. سأله الجندي: هل أبوك وأمك على قيد الحياة؟ فأجابه يسوع: أبي حيٌّ وهو خالد. قال الجندي: كيف هو خالد؟ فأجابه يسوع: هو خالد منذ البدء. هو حيٌّ، والموت لا سلطان له عليه. أصرّ الجندي: من هو الحيّ الذي لا سلطان للموت عليه، وأنت تؤكد أن الخلود مضمون لأبيك؟ قال يسوع: لا يمكنك أن تعرفه، ولا أن تتصوره أدنى تصور. ثم سأله الجندي قائلًا: من يستطيع أن يراه؟ فأجاب: لا أحد. فسأله الجندي: أين أبوك؟ فأجاب: في السماء، فوق الأرض. سأل الجندي: وكيف يمكنك الذهاب إلى جانبه؟ فأجاب يسوع: كنتُ معه دائمًا، وما زلتُ معه اليوم. أشار الجندي في حيرة: لا أفهم ما تقول. فأقرّ يسوع: هذا في الحقيقة أمرٌ لا يُفهم ولا يُعبَّر عنه. أضاف الجندي: فمن ذا الذي يستطيع أن يفهمه إذًا؟ قال يسوع: إن سألتني، فسأشرح لك. فألحّ الجندي: أرجوك افعل.
3 فقال يسوع: أنا بلا أب على الأرض، وبلا أم في السماء. اعترض الجندي: كيف وُلدت، وكيف رُزقت؟ قال يسوع: جيلي الأول من الآب قبل الدهور، وجيلي الثاني على هذه الأرض. لكن الجندي استمر في الاعتراض: كيف؟ هل رُئيَ قط أن مولودًا من أبيه يُولد من أمه؟ حذره يسوع: أنت لا تفهم الأمر جيدًا. فأجاب الجندي: كم أبًا وكم أمًا لك؟ رد يسوع: ألم أخبرك من قبل؟ لي أب واحد، ومعه هناك في السماء وُلدت بلا أم. ولي أم واحدة، ومعها هنا في الأرض وُلدت بلا أب. اعترض الجندي: أولًا تقول إنك وُلدت من أبيك، ولم تكن لك أم، ثم تقول إنك وُلدت من أمك، ولم يكن لك أب. أجاب يسوع: صحيح. فصاح الجندي: يا لها من ولادة ووجود عجيب! لمن أنت إذن؟ فأكد يسوع: أنا الابن الوحيد للآب، نسل جسدي من أمي، ووارث كل شيء. فجادل الجندي قائلاً: ألم يعرف أبوك أمك؟ فكيف حبلت بك أمك في رحمها، وكيف ولدتك؟ قال يسوع: بكلمة واحدة من أبي، دون أن يشك في قربه منه، ودون أن يخطر بباله حتى هذا القربان. فرد الجندي: كيف يمكنك أن توفق بين إرادتي أبيك وأمك، وترضي رغباتهما معًا؟ فأجاب يسوع: أنا مع أبي في السماوات، وسأبقى معه إلى الأبد، وأسكن مع أمي على الأرض.
4 صرخ الجندي قائلًا: ”ما تقوله عجيب!“ فأجابه يسوع: ”ولماذا تسألني هذا السؤال الذي تسألني عنه ولا تستطيع فهمه؟“ فقال الجندي: ”إن كنت قد سألتك، فذلك لأحثك على خدمتنا. ثم إني قد عرفت أنك من سلالة ملكية عريقة. فليباركك الله في كل مكان وزمان، وليجعلك ترث ميراث أبيك.“
5 فأجابه يسوع قائلاً: مبارك أنت من الله. ولكن أخبرني عن سبب شكواك. فقال الجندي: سأشرح لك الأمر كله، وستحكم بيننا حكماً عادلاً. فقال يسوع: نعم. أخبرني بالأمر. فشرح الجندي: نحن من بلاد السحرة ومن بيت ملكي. لقد تبعنا الملوك الذين قدموا إلى بيت لحم بجيوش كثيرة وهدايا ثمينة تكريماً لمولود إسرائيل الجديد. ولما عاد الملوك إلى فارس، ذهبنا إلى مدينة أورشليم، ومن أجل محبة الله، صارنا رفقاء وإخوة. وعقدنا عهداً، وأقسمنا ألا نفترق حتى نموت، وأن نتقاسم، في صداقة كاملة وعدل متبادل، جميع النعم التي أنعم الله بها علينا.
6 ولما انضممنا إلى حرس قصر زعيم عظيم من المملكة، أرسلني أميري القوي برسالة إلى بلاد بعيدة، حيث مكثتُ مدة طويلة. استقبلني هناك بكرمٍ وتكريم، كما تقتضي آداب البلاط الملكي، مانحًا حاملي الرسائل الاحترام الواجب لهم. وبفضل الله، عدتُ راضيًا، ولم أخفِ شيئًا مما كسبتُه عن صديقي، وأنا على استعداد لمشاركته إياه. غادر رفيقي أيضًا مع فرقة من الفرسان وعاد إلى منزله بعد أن حصل على غنائم وفيرة. طلبتُ منه أن يشاركني الثروة التي جلبها من حملته، فرفض، بل طالبني بشدة بالدين المستحق عليّ. والآن، ماذا تأمرني أن أفعل؟
7 وقال يسوع: إن أردتم أن تسمعوا كلامي وتعملوا بالبر، فلا تخدعوا بعضكم بعضًا، ولا تنسوا عهودكم، بل أوفوا بما عاهدتم عليه بكل جدية. وزّعوا أرباحكم بالعدل، وفقًا للشريعة البشرية وما أقسمتم عليه في الشريعة الإلهية. لا تكذبوا أمام الله، ولا تظلموا بعضكم بعضًا، إن أردتم أن تعيشوا في وئام.
8 لكن الرفيق الآخر، الأكبر سنًا، قال: يا بني، إن الحكم الصائب لا يزعجك بأي شكل من الأشكال. كنت في معسكر الموت، وواجهت ألف خطر، وبالكاد تمكنت من العودة إلى المنزل. هو، محاطًا بحاشية أميرية، زار قصور الملوك وعاد بهدايا كثيرة. لذلك، من العدل أن يعطيني جزءًا مما عنده، وألا أعطيه شيئًا مما عندي.
9 فأجابه يسوع: أيها الجندي، أنت لا تعلم ما تقول. لو أنه تعرض، في طريقه أو في طريق عودته، لكل أنواع المضايقات من أعدائه، فأي نصيب كنت ستمنحه إياه؟ وأضاف: إن أردت أن تشاركه أفكارك كصديق، فأفصح عنها بوضوح. وبعد أن قال هذا، صمت يسوع.
10 ثم قام أصغر الجنود، وجثا أمام زميله، وقال: معذرةً يا أخي، لقد أغضبك هذا الأمر كثيرًا، والآن افعل ما تشاء. سأوزع، لكنني لن أعيش معك بعد الآن في علاقة جماعية. لقد اكتسبتَ مكانةً، وأصبحتَ مستشارًا للملوك. أنا فقير، أرى نفسي بلا موارد، وسأقبل ما تريد أن تعطيني إياه. فنظر إليه يسوع، وأحبه، وشعر بالشفقة عليه، إذ رأى وداعته. لأن الأكبر كان عنيفًا، لأنه كان ابن رجل فقير، والأصغر كان متواضعًا، لأنه كان من نسل بيت عظيم.
11 وقال يسوع أخيرًا: بحسب ما أخبرتني به في البداية، ذهبتَ إلى بيت لحم بصحبة المجوس. هل رأيتَ بعينيك ذلك الملك المولود الذي جاء إلى العالم؟ أجاب الجندي الأصغر: نعم، رأيته وسجدتُ له. سأل يسوع: وما رأيك فيه؟ وما إيمانك به؟ أجاب الجندي: هو الكلمة المتجسد، الذي أرسله الله. وقد هدانا نجمٌ فذهبنا لزيارته، فوجدناه مولودًا من العذراء ومضجعًا في المغارة. لاحظ يسوع: سمعتُ أنه لا يزال حيًا. اعترف الجندي: لا أعلم. لكنني سمعتُ أنه قُتل بأمر من هيرودس، بعد أن خدعه المجوس. يزعم البعض أن هيرودس تسبب في هلاك أطفال بيت لحم بسببه. ويزعم آخرون أن أباه وأمه هربا معه إلى مصر. علّق يسوع قائلاً: معك حق، ولكني أكرر أنني سمعت أنه لا يزال حيًا. والآن، هناك الكثير ممن يدّعون أنه لم يكن كما ظنّ، بل كان دجالًا ومُضلًّا. صحّح الجندي قائلًا: لا تنشر عنه افتراءً لا تستطيع إثباته، لأن كل من رآه يؤكد أنه ملك إسرائيل. لكن يسوع اعترض قائلًا: فلماذا لم يؤمن به بنو إسرائيل؟
12 فقال الجنود: لا نكترث. فسألهم يسوع: ما أسماؤكم؟ فأجاب أحد الجنود: اسمي خورتار. وقال الآخر: اسمي جوتار. فقال يسوع: أي إله تعبدون؟ فأجاب الجنود: لما قدمنا إلى هذه البلاد، انخدعنا بآلهة باطلة، وكنا نعبد الشمس. فسألهم يسوع: بالعودة إلى خلافكم، كيف تنوون حله؟ فأجاب الجنود: افعل ما تراه مناسبًا، فقد ظهرت لنا اليوم قاضيًا بيننا. حقًا، منذ أن رأيتنا، زال غضبنا السابق، وحلت علينا نعمة الله. وبينما كنت معنا، امتلأت قلوبنا فرحًا عظيمًا.
13 ثم قسّم يسوع الغنيمتين بالتساوي بينهما، فرضِيَ الجنديان بقراره. وباركهما، فمضيا في طريقهما بسلام.