أظهر إليعازار، الرجل العجوز اللطيف الروح، قوة تحمل كبيرة لدرجة أنه حتى عندما نقرأ هذه الكلمات بعد 2000 عام، تبدو وكأنها نار لا تنطفئ.
1 ولكن عندما أجاب أليعازار ببلاغة على تحذيرات الطغاة، جرّه الحراس من حوله بقسوة إلى مكان التعذيب
2 وخلعوا أولاً ثياب الرجل العجوز، الذي كان مزينًا بجمال القداسة
3 ثم قيدوا ذراعيه من كلا الجانبين وجلدوه، وكان هناك منادٍ يقف وينادي في مواجهته: "أطع أوامر الملك!"
4 لكن الرجل النبيل ذو الروح العظيمة، وهو إليعازار في الحقيقة، لم يكن يتأثر في عقله أكثر مما لو كان يتعذب في حلم؛ نعم، الرجل العجوز الذي أبقا عينيه مرفوعتين بثبات إلى السماء، سمح لجسده أن يُجلد بالسياط حتى غمرته الدماء وأصبحت جنبيه كتلة من الجروح؛ وحتى عندما سقط على الأرض لأن جسده لم يعد قادرًا على تحمل الألم، فقد حافظ على عقله منتصبًا وغير مرن
5 بقدمه، ركله أحد حراس القنينة بوحشية في جنبه أثناء سقوطه ليجعله ينهض
6 لكنه تحمل الألم، واحتقر الإكراه، وتحمل العذابات، ومثل رياضي شجاع يتقبل العقاب، تفوق الرجل العجوز على معذبيه
7 وقف العرق على جبينه، وأخذ أنفاسه في شهقات قوية، حتى استحوذ نبل روحه على إعجاب معذبيه أنفسهم
8 عندئذٍ، ومن باب الشفقة على شيخوخته، ومن باب التعاطف مع صديقهم، ومن باب الإعجاب بشجاعته، ذهب بعض رجال حاشية الملك إليه وقالوا:
9 لماذا يا إليعازار تُهلك نفسك بهذه المأساة؟ سنُحضر لك بعض اللحوم المسلوقة، ولكنك تتظاهر بأنك تأكل لحم الخنزير فقط، وهكذا تُنقذ نفسك.
10 وصرخ أليعازار بصوت عالٍ، وكأن مشورتهم لم تفعل سوى زيادة عذاباته: "لا. أتمنى ألا يخطر ببالنا نحن أبناء إبراهيم مثل هذه الفكرة الشريرة التي تدفعنا بقلب ضعيف إلى تزييف جزء غير لائق بنا."
11 «على عكس المنطق، لو كان الأمر كذلك بالنسبة لنا، بعد أن عشنا على الحق حتى سن الشيخوخة، وحافظنا في زي شرعي على سمعة العيش بهذه الطريقة، أن نتغير الآن ونصبح في أشخاصنا قدوة للشباب في عدم التقوى، بحيث نشجعهم على أكل اللحوم النجسة.»
12 «يا للعار لو عشنا لفترة أطول قليلاً، بينما كنا نتعرض للسخرية من جميع الرجال بسبب جبنهم، وبينما كان الطاغية يحتقرنا باعتبارهم غير رجوليين، فشلنا في الدفاع عن القانون الإلهي حتى الموت.»
13 «لذلك يا أبناء إبراهيم، تموتون موتًا شريفًا من أجل البر؛ أما أنتم يا أتباع الطاغية، فلماذا تتوقفون عن عملكم؟»
14 فلما رأوه منتصرًا على التعذيب وغير متأثر حتى بشفقة جلاديه، جروه إلى النار
15 هناك ألقوه عليه، وأحرقوه بأساليب ماكرة قاسية، وسكبوا مرقًا كريه الرائحة في أنفه
16 ولكن عندما وصلت النار إلى عظامه وكان على وشك أن يسلم الروح، رفع عينيه إلى الله وقال:
17 «يا الله، أنت تعلم أنني على الرغم من أنني قد أنقذ نفسي، إلا أنني أموت بعذابات نارية من أجل شريعتك. ارحم شعبك، وليكن عقابنا كفارة لهم. اجعل دمي طهارتهم، وخذ روحي فديةً لنفوسهم.»
18 «وبهذه الكلمات، أسلم الرجل المقدس روحه بنبل تحت وطأة التعذيب، ومن أجل القانون الذي يدافع عنه عقله، حتى ضد العذابات حتى الموت.»
19 لا شك إذن أن العقل المُلهم هو سيد الأهواء؛ لأنه لو سادت أهواءه أو آلامه على عقله لكنا اعتبرناها دليلاً على قوتها المتفوقة
20 ولكن الآن، بعد أن تغلب عقله على أهوائه، فإننا ننسب إليه بحق القدرة على التحكم فيها
21 ومن الصواب أن نعترف بأن السيادة تكمن في العقل، على الأقل في الحالات التي يتغلب فيها على الآلام التي تأتي من خارج أنفسنا؛ لأنه من السخافة إنكاره
22 ودليلي لا يشمل تفوق العقل على الآلام فحسب، بل يشمل أيضًا تفوقه على الملذات؛ كما أنه لا يستسلم لها