1 في عام 303 من عهد الإسكندر، في الشهر الحادي والثلاثين من شهر آذار، في اليوم الأول من الأسبوع، في الساعة الثالثة من النهار، أخذت مريم جرتها وذهبت إلى النبع لتستقي الماء. وسمعت صوتاً يقول: “افرحي يا مريم العذراء”. فجأة، شعرت مريم بالاضطراب والخوف الشديدين. نظرت يمينًا ويسارًا، فلما لم ترَ أحدًا، تساءلت: “من أين أتى هذا الصوت الذي خاطبني؟”. حملت إبريقها، وأسرعت إلى منزلها، وأغلقت الباب بإحكام. ثم ذهبت في صمت إلى مؤخرة المنزل. وفي دهشة روحها، قالت لنفسها في ذهول: “ما هذه التحية التي وُجهت إليّ؟ من يعرفني ويعرف من أنا مسبقًا؟ من رأيتُ من قبل يتحدث إليّ بهذه الطريقة؟”. وهي تفكر في كل هذا، ارتجفت وارتعدت.
2 ثم قامت، وبدأت تصلي قائلة: “يا رب إله إسرائيل، يا إله آبائنا، انظر إليّ برحمتك واستجب دعائي، فقد أنعمتُ عليك بقلبي للصلاة”. استمع إلى عبدتك البائسة، التي تتضرع إليك بأمل وثقة.لا تُسلمني لإغراءات المُغوي ولا لكمائن العدو، ونجّني من مخاطر ومكر الصياد، فإني أرجو وأثق أنك ستحفظ عذريتي يا ربي وإلهي. وبعد أن قالت هذا، شكرت الرب وهي تبكي. وبعد أن مكثت على هذه الحال ثلاث ساعات، أخذت الخيط القرمزي وبدأت تغزل.
3 وإذا بملاك الرب قد أتى ووقف بجانبها، مع أن الأبواب كانت مغلقة. وظهر لها الكائن غير المادي في صورة كائن مادي وقال لها: ”افرحي يا مريم، يا أمة الرب الطاهرة“. ولما ظهر لها الملاك فجأة، امتلأت مريم بالذعر، ولم تستطع من شدة خوفها أن تجيب. فقال لها الملاك: ”لا تخافي يا مريم، يا مباركة النساء. أنا الملاك جبرائيل، مرسل من الله لأبشرك بأنك ستحبلين وتلدين ابن العلي، الذي سيكون ملكًا عظيمًا ويملك على كل الأرض“. فسألته مريم: ”ماذا تقول؟ ما هذا اللغز؟ فسر لي هذا اللغز“. فأجابها الملاك: ”ما قلته لكِ، فقد سمعتِه من فمي“. فاقبلي الدعوة الواردة في هذه الرسالة التي وجهتها إليكِ الآن، وافرحي. قالت مريم: ما تخبرني به جديدٌ ومُحيّر، يملأني بالدهشة والعجب، إذ تقول إنني سأحمل وألد كباقي النساء. كيف يُمكن أن يحدث هذا لي، وأنا لم أعرف رجلاً قط؟ فقال الملاك: يا مريم العذراء، لا تُساورك هذه الشكوك، وافهمي ما أُبشّركِ به! لن تحملي من طفل، ولا من زوج، ولا بإرادة رجل، بل بقوة ونعمة الروح القدس، الذي سيسكن فيكِ، والذي سيفعل بكِ ما يشاء. قالت مريم: ما تخبرني به يبدو غريباً ويصعب تصديقه. لا أستطيع أن أقبل أو أستسلم لما تقوله. فالعجائب التي تتحدث عنها تبدو صادمة في البداية وغير معقولة في الواقع. عند سماعي لكلماتك، ترتجف نفسي خوفاً. روحي لا تزال حائرة، ولا أعرف كيف أُجيب على كلماتك. سأل الملاك: لماذا ترتعدين، ولماذا ترتجف نفسك؟
4 فأجابت مريم: كيف لي أن أصدق كلامك، وأنا لم أسمع مثله من أحد قط، ولا أعرف حتى ما الذي تنوي إخباري به؟ فقال الملاك: كلامي هو الحق المطلق. لا أتكلم إليكِ عبثًا، ولا وفقًا لأفكاري الخاصة، بل أخبركِ بما سمعته من الرب، وما أرسلني الله لأخبركِ به وأشرحه لكِ. وأنتِ تظنين كلامي كذبًا. اتقِ الرب، واستمعي إليّ. فأجابت العذراء: ليس الأمر أنني أعتبر كلامك باطلًا، بل أنا في حيرة شديدة. من لا يسعه الفلك والأرض، ولا يحيطان بألوهيته، ولا تستطيع كل جحافل الأرواح النورانية والكائنات النارية السماوية أن تتأمل مجده، هل أستطيع أن أحمله، وأتحمل لهيبه اللامتناهي، وأؤويه في جسدي؟ كيف لي أن أحمله جسديًا في رحمي، وألمسه بيدي؟ كلامكِ غير معقول، والفكرة مبهمة، وتحقيقها مُربك. يتطلب الأمر أكثر من مجرد بصيرة العقل البشري لفهمه وإدراكه. أتريدين تضليل عقلي بكلام خادع؟ كلا! أجاب الملاك: يا مريم المباركة، استمعي لما سأقوله لكِ! كيف استقبلت خيمة إبراهيم الله في صورة جسدية، دون أن تقترب منها النار؟ كيف كلم الله يعقوب بعد مصارعته معه؟ كيف رأى موسى الله وجهًا لوجه على جبل سيناء، والنار التي ظهر فيها له اشتعلت دون أن تحترق؟ سيحدث لكِ الأمر نفسه بطريقة أخرى، ولا داعي للخوف. آمني فقط، واستمعي لما سأقوله لكِ.
5 اعترضت مريم قائلة: كيف سيحدث لي ما تقول؟ وكيف لي أن أعرف في أي يوم وفي أي ساعة سيحدث ذلك؟ أخبرني. فأجابها الملاك: لا تتحدثي هكذا عما لا تعرفين، ولا ترفضي تصديق ما لا تفهمين. أصغي جيدًا، وآمني بكل ما أوحيه إليكِ. قالت مريم: لا أتكلم هكذا من عدم إيمان، ولا من عدم ثقة، بل أريد أن أكون متأكدة، وأن أعرف بيقين كيف سيحدث لي الأمر وفي أي لحظة، حتى أكون مستعدة ومتأهبة. فأجابها الملاك: قد يأتي في أي ساعة. وعند دخوله رحمكِ، وسكنه فيه، سيطهر ويقدس جوهر جسدكِ كله، الذي سيصبح هيكله. قالت مريم: ولكن كيف سيحدث هذا، وأنا، أكرر، لا أعرف رجلاً؟ قال الملاك: سيحلّ عليكِ الروح القدس، وستظللكِ قدرة العليّ. وسيأخذ الكلمة الإلهية جسدًا منكِ، فتلدين ابن الآب السماوي، وتبقى بتوليتكِ سليمة مصونة. فقالت مريم: وكيف يمكن لامرأة أن تلد وهي بتوليتها دون تدخل رجل؟
6 فأجاب الملاك: لن يكون الأمر كما تظنين. لن تكون أمومتكِ نتيجة شهوة جسدية، ولن يكون حملكِ نتيجة علاقة زوجية، لأن بتوليتكِ ستبقى طاهرة نقية. لن ينتهك دخول الكلمة الإلهية رحمكِ، وعندما يخرج منه بجسده، لن يدمر طهارتكِ النقية. صرخت مريم: إني خائفة منك، لأنك تغريني بكلام جميل يُسعدني ويُثير دهشتي. أتريد أن تُقنعني بعبارات خادعة، كما حدث لحواء، أمنا الأولى، التي أغواها الشيطان بكلام معسول ومُرضٍ، فماتت على الفور؟ قال الملاك: يا مريم العذراء، كم مرة خاطبتكِ وأخبرتكِ الحقيقة كاملة! وأنتم لا تؤمنون بالأوامر والرسالة التي أنطقها لكم، حتى وأنا بينكم. أخاطبكم مرة أخرى باسم الله، لكي لا ترتعب نفوسكم من رؤيتي، ولا تشكّ أرواحكم في الذي أرسلني. ولا تصرفوا قلوبكم عن الكلام الذي سمعتموه مني. لم آتِ لأكلّمكم بأي حيلة خادعة، ولا بمكر، ولا بمكر، بل لأهيّئ فيكم هيكل الكلمة ومسكنها. فقالت مريم: من شدة إلحاح كلامك، غمرتني الحيرة، وأنا قلقة بشأن الجواب الذي سأقدمه لك. وإن لم أستطع إقناع نفسي، فإلى من أكشف أمري وأقنعه أنني لا أكذب؟ 7 هتف
7 الملاك: يا عذراء مريم الطاهرة، لا تشغلي نفسكِ بمخاوف لا أساس لها! قالت مريم: لا أشك في كلامك، ولا أجد ما تقوله غير معقول؛ بل أنا مباركة، وكلامك يملأني فرحًا. لكن نفسي ترتجف وتضطرب من فكرة أنني سأحمل الله في جسدي، وأنجبه كما لو كنتُ رجلاً، وأن بتوليتي ستبقى مصونة. يا للعجب! وما أروع أنكِ تُكلميني! قال الملاك: لقد كررتُ حديثي الطويل مرارًا وتكرارًا، وأشهد لكِ بصدق، ولم تُصدقيني. فأجابت مريم: أرجوك يا عبد العلي، لا تغضب من إصراري على سؤالك. فأنتَ تعرف طبيعة البشر وعدم إيمانهم في كل شيء. لذلك أرغب في أن أُخبرك بيقين، حتى أعرف بكل صدق ما سيحدث لي. فلا تستنكر كلامي. قال الملاك: أنت محق، ولكن ثق بي، فقد أرسلني الله لأتحدث إليك ولأبشرك بالخبر السار.
8 فأجابت مريم: نعم، أصدق كلامك، وأعلم أن ما تقوله حق، وأقبل أوامرك. ولكن اسمعي ما سأقوله لكِ. حتى الآن، كنتُ محفوظةً في القداسة والبر أمام الكهنة وجميع الشعب، بعد أن خُطبتُ ليوسف شرعًا لأكون زوجته. وقد أخذني إلى بيته ليرعاني بعناية حتى ننال إكليل البركة مع العذارى الأخريات والرجال العزاب الآخرين. فإن عاد ووجدني حاملاً، فماذا سأجيبه؟ وإن سألني عن سبب حملي، فماذا سأجيبه؟ فقال الملاك: يا مريم المباركة، استمعي جيدًا لكلامي، واحفظي في قلبك ما سأقوله لكِ! هذا ليس من صنع البشر، والظاهرة التي أتحدث عنها لن تأتي من أحد، بل الرب نفسه سيُتمها فيكِ، وهو القادر على أن يُنجيكِ من كل كرب المحنة. قالت مريم: إن كان الأمر كما تصفه، وإن كان الرب نفسه يتفضل بالنزول إلى عبدته وخادمته، فليكن لي بحسب قولك. ثم انصرف عنها الملاك.
9 وما كادت العذراء تنطق بتلك الكلمات المتواضعة حتى دخلت الكلمة الإلهية في أذنها. وتقدست طبيعة جسدها الحي، بكل حواسها وأعضائها الاثني عشر، وتطهرت كالذهب في النار. وصارت هيكلاً مقدساً طاهراً، ومسكناً للكلمة الإلهية. وفي تلك اللحظة بالذات، بدأ الحمل. فعندما بشّر الملاك مريم، كان ذلك في الخامس عشر من نيسان، الموافق السادس من أبريل، يوم الأربعاء، في الساعة الثالثة من النهار.
10 وفي الوقت نفسه، أسرع ملاك إلى أرض الفرس ليحذر المجوس ويأمرهم بالذهاب وسجود المولود الجديد. وقد استرشدوا بنجمٍ لمدة تسعة أشهر، فوصلوا إلى وجهتهم في اللحظة التي ولدت فيها العذراء. ففي ذلك الوقت، كانت مملكة فارس مهيمنة، بقوتها وانتصاراتها، على جميع الملوك الذين كانوا يحكمون بلاد الشرق. وكان المجوس ثلاثة إخوة: الأول، ملكون، الذي حكم الفرس؛ والثاني، بلتازار، الذي انتصر على الهنود؛ والثالث، جاسبار، الذي كان يملك أرض العرب. فاجتمعوا امتثالاً لأمر الله، ووصلوا إلى يهوذا في اللحظة التي ولدت فيها مريم. وبعد أن عجلوا برحلتهم، وجدوا أنفسهم هناك في الوقت المحدد لميلاد يسوع.
11 وبعد أن تلقت العذراء بشارة حملها من الروح القدس، رأت جوقات الملائكة تُسبّحها. ولما رأتهم، انتابها شعور بالذعر بدلًا من الفرح. فسجدت على الأرض ووجهها إلى السماء، وبدأت تُسبّح الله بالعبرية قائلة: “يا رب روحي وجسدي، أنت القادر على تحقيق كل مشيئتك في حبك الخالق، وأنت تُقرر كل شيء بمشيئتك! تفضل بالاستجابة لدعاء عبدك وأمك. استجب لي وأنقذ نفسي، فأنت إله مُخلصي، واسمك يا رب يُدعى عليّ كل يوم.” وحتى هذا اليوم، حافظت على نفسي في القداسة والعدل والطهارة التي أمرت بها، وحافظت على بتوليتي سليمة نقية، دون أي رغبة في التدنيس الجسدي." والآن، لتكن مشيئتك.
12 وبعد أن قالت هذا، قامت مريم وشكرت العليّ. وبعد ذلك، مرت ساعة. وبينما كانت العذراء تفكر، بدأت تبكي، وقالت: أي معجزة جديدة، لم يسبق لها مثيل في ولادة أي إنسان، تُصنع فيّ؟ ألن أصبح مادة للسخرية والتهكم من الجميع، رجالاً ونساءً؟ ها أنا ذا، في حيرة شديدة. لا أعرف ماذا أفعل، ولا ما هو الجواب الذي أقدمه لأي شخص يسأل عني. إلى من ألجأ، وكيف أبرر كل هذا؟ لماذا حملتني أمي؟ لماذا كرّسني والداي، في حزنهما، لله، فقط ليجعلاني موضع لوم لنفسي ولهما؟ لماذا أجبراني على الحفاظ على بتوليتي في الهيكل المقدس؟ لماذا لم أتلقَ حكم الإعدام في وقت سابق، والذي كان سيأخذني من هذه الدنيا؟ وبما أنني ما زلت على قيد الحياة، فلماذا لم يزوجني والداي دون أن ينبسا ببنت شفة، كما فعلا مع بنات بني إسرائيل الأخريات؟ من ذا الذي رأى أو سمع بمثل هذا الأمر؟ من ذا الذي يصدق أن امرأة لم تعرف رجلاً قط تلد؟ لمن، علنًا أو سرًا، أستطيع أن أخبر دون تردد بما يحدث؟ هل أستطيع إقناع النساء، متزوجات أو عازبات، بقوة الكلام؟ إن كشفت لهن عن غرابة حالتي، لظنن أنني أسخر منهن، وإن حلفتُ يمينًا، لحكمن عليّ بالزور. إن الكذب مستحيل عليّ، وإدانة نفسي، وأنا بريئة، أمر في غاية الصعوبة. إن طُلب مني شاهد، فلن يستطيع أحد أن يبرئني. وإن كررت كلامي مرة ثانية، قائلًا الحق، لحُكم عليّ بالإعدام بازدراء. كل من يسمع كلامي، جيرانًا كانوا أم غرباء، سيقول: إنها تريد أن تخدع السذج والبسطاء بحيلة جوفاء. لا أدري ماذا أفعل، ولا من سيقترح عليّ جوابًا أقدمه للجميع في هذا الشأن؛ ولا كيف سأخبر زوجي، الذي نلتُ اسمه بالزواج؛ ولا كيف سأجرؤ على الكلام أمام الكهنة والناس؛ ولا كيف سأتحمل أن أُسلّم، أمام العالم أجمع، إلى أيدي القضاء البشري. إن أعلنتُ للنساء المتزوجات أنني عذراء، وأنني حملتُ دون تدخّل رجل، فسيعتبرن كلامي مزحة، ولن يصدقنني. كيف لي أن أفهم ما حدث لي؟ كل ما أعرفه يقينًا هو أن عذريتي سليمة، وأن حملي حقيقي. لأن ملاك الرب أخبرني بالحق، دون أي كذب. لم يخدعني بحيل فارغة، بل نقل إليّ، بدقة وإخلاص، كلمات الروح القدس. فماذا أفعل الآن وقد أصبحتُ موضع لوم واستنكار بين بني إسرائيل؟ يا للعجب! يا للمفاجأة! يا له من عبقري مروع ومثير للقلق! لن يصدق أحد أنني لم أعرف رجلاً قط.وأن حملي مثالٌ على ذلك. وإذا قلتُ لأحدهم بجدية: “أتظن أنني حاملٌ وأنا ما زلتُ عذراء؟”، سيجيبني: “حسنًا، أعتقد أنكِ صادقةٌ في كلامكِ. لكن اشرحي لي كيف يمكن لعذراء أن تُصبح أمًا دون أن يُفقدها رجلٌ عذريتها؟”. وبهذه الكلمات القليلة، سيسخرون مني. أعلم تمامًا أن الكثيرين سيتحدثون عني بسوءٍ ويدينونني على عجل، رغم براءتي. لكن الرب سيحفظني من ثرثرة الناس وإهاناتهم.
13 بعد أن قالت مريم هذا الكلام، توقفت عن التحدث مع نفسها. وقامت، وفتحت باب البيت لترى إن كان هناك أحد يسمع ما قالته من قبل. ولما لم ترَ أحدًا، عادت إلى داخل البيت، وأخذت الخيط القرمزي والأرجواني الذي كانت قد أخذته من الكهنة لتصنع منه حجابًا للهيكل، وبدأت تغزله. ولما انتهت من عملها، ذهبت لتأخذه إلى رئيس الكهنة. فأخذه من يدي العذراء مريم، وقال لها: يا مريم ابنتي، مباركة أنتِ بين النساء، ومباركة رحمكِ البتولي. سيعظم الرب اسمكِ القدوس في كل الأرض. ستكونين متفوقة على جميع النساء، وستكونين أمًا للعذارى. ومنكِ يكون الخلاص للعالم. هكذا قال زكريا. فسجدت مريم أمام الكهنة وجميع الشعب، وعادت إلى بيتها وهي في غاية الفرح.
14 ١٤- ولما بُشِّرت مريم بالملاك، كان حمل أليصابات قد بدأ في العشرين من تسرين، الموافق التاسع من أكتوبر، ومن هذا التاريخ إلى الخامس عشر من نيسان، الموافق السادس من أبريل، مرّت مئة وثمانون يومًا، أي ستة أشهر. ثم بدأ تجسّد المسيح، الذي به اتخذ جسدًا في العذراء مريم. وفي أحد الأيام، فكّرت مريم وقالت في نفسها: سأذهب لرؤية ابنة عمي أليصابات، وسأخبرها بكل ما حدث، ومهما أخبرتني، سأفعل مثلها. فأرسلت إلى يوسف في بيت لحم رسالةً جاء فيها: أرجوك أن تسمح لي بالذهاب لرؤية أليصابات، ابنة عمي. فأذن لها يوسف، فخرجت سرًا عند الفجر، واتجهت نحو جبال يهوذا، ووصلت إلى مدينة يهوذا. ودخلت بيت زكريا وسلمت على قريبتها.
15 ولما سمعت أليصابات أن مريم قد أتت، ارتكض جنينها في بطنها. وامتلأت أليصابات من الروح القدس، ورفعت صوتها وقالت: ”مباركة أنتِ بين النساء، ومباركة ثمرة بطنك! كيف أُعطيتُ هذا، أن تأتي إليّ أم ربي؟ فها هوذا لما بلغ كلام سلامكِ أذني، ارتكض جنيني في بطني“. فلما سمعت مريم هذا، رفعت عينيها المثقلتين بالدموع إلى السماء، وقالت: ”يا رب، كيف أُعطيتُ هذا، أن تدعوني جميع الأمم مباركة؟ لماذا خُصيتُ بين جميع نساء وبنات العبرانيين، ولماذا اشتهر اسمي في جميع أسباط إسرائيل؟“ لأن مريم كانت قد نسيت ما قاله لها الملاك من قبل.
16 وأقامت مريم في بيت أليصابات مدة طويلة، وروت لها سرًا كل ما رأته وسمعته من الملاك. فأجابتها أليصابات بدهشة بالغة: يا ابنتي، إن ما تخبرينني به هو عمل عجيب من الله. ولكن اسمعي ما سأقوله لكِ. لا تخافي مما يحدث لكِ، ولا تكوني غير مؤمنة. إن الأفكار والأفعال والأقوال، كل شيء في هذا الأمر يفوق قدرة البشر. انظري إليّ، أنا متقدمة في السن وقريبة من الموت، ومع ذلك فأنا حامل، على الرغم من كبر سني وشيب شعري، لأنه لا شيء مستحيل على الله. أما أنتِ، فاذهبي بهدوء واعتزلي في بيتكِ. لا تخبري أحدًا بما رأيتِ وسمعتِ. لا تخبري أحدًا من بني إسرائيل، لئلا يخدعوكِ ويسخروا منكِ. ولا تخبري زوجكِ، لئلا تجرحيه جرحًا عميقًا فيطلقكِ. انتظري الرب ليُتمّ مشيئته، وسيريكِ ما يُريد فعله.
17 فقالت مريم: ”سأفعل كما تقولين“. فقالت أليصابات: ”اسمعي جيدًا ما أقوله لكِ. اذهبي إلى بيتكِ بسلام، وأقيمي هناك بهدوء. لا تخرجي ولا تعودي من العالم، حتى لا يعلم أحد. افعلي كل ما يقوله لكِ زوجكِ. الرب سيُهيئ لكِ مخرجًا من ضيقكِ. لا تخافي، بل افرحي“. فتكلمت أليصابات. فسجدت مريم لها، وذهبت إلى بيتها بفرح، حيث أقامت أيامًا كثيرة. وكان الطفل ينمو في أحشائها يومًا بعد يوم. وكانت تخشى العالم، فظلت مختبئة دائمًا، حتى لا يعلم أحد بأمرها.