1 عندما بلغت مريم شهرها الخامس من الحمل، غادر يوسف بيت لحم، مسقط رأسه، بعد أن بنى بيتًا، وعاد إلى بيته في الناصرة ليكمل عمله في النجارة. ذهبت مريم للقائه، وسجدت له. فسألها يوسف: كيف حالك؟ هل أنتِ سعيدة؟ هل أصابكِ مكروه؟ فأجابت مريم: أنا بخير. وبعد أن أعدّا المائدة، تناولا الطعام معًا في جو من السكينة والوئام. ثم تمدد يوسف على فراش، وأراد أن يستريح قليلًا. ولكن عندما نظر إلى مريم، رأى أن وجهه قد تغير تمامًا. فحاولت إخفاء حيرتها، لكنها لم تفلح.
2 نظر إليها يوسف بحزن، ثم نهض من مكانه وقال لها: يا ابنتي، يبدو لي أنكِ لم تعودي تتمتعين برشاقتكِ الطفولية المعهودة، فقد لاحظتُ تغيراً ما في ملامحكِ. فأجابت ماريا: ماذا تريد أن تخبرني بهذه الملاحظة وهذا الفحص؟ فحذرها يوسف قائلاً: إنني معجب بكلامكِ وحججكِ. لماذا أنتِ خرقاء، مكتئبة، حزينة، وملامحكِ متغيرة؟ هل تحدث إليكِ أحد؟ هذا سيثير استيائي. هل أصابكِ مرض أو علة؟ أو هل مررتِ بتجربة ما، أو عانيتِ من مكائد الرجال؟ فأجابت ماريا: لا شيء من هذا القبيل. فقال يوسف: فلماذا لا تجيبيني بصراحة؟ فقالت ماريا: ماذا تريدني أن أجيب؟ فقال يوسف: لن أصدق كلامكِ قبل أن أرى. أظهري لي صدقكِ جليًا، لأتأكد من صدقكِ. أما مريم، فقد كانت في حيرة من أمرها، لا تدري ماذا تفعل. لكن يوسف، فنظر إلى مريم عن كثب، فرأى أنها حامل. فصرخ صرخة مدوية: يا لكِ من امرأة مسكينة!
3 فسقط يوسف من على مقعده، ووضع وجهه على الأرض، وضرب جبهته بيده، وفرك لحيته وشعره الأبيض على رأسه، وجر وجهه في التراب، وهو يصرخ: اللعنة عليّ! اللعنة على شيخوختي التعيسة! ما الذي حدث هنا؟ أي مصيبة حلت ببيتي؟ بأي وجه سينظر من الآن فصاعدًا إلى وجوه الناس؟ ماذا سيجيب الكهنة وجميع شعب إسرائيل؟ كيف ستوقفون اضطهادًا قضائيًا؟ وبأي حيلة سأتمكن من تهدئة الرأي العام؟ ماذا سأفعل في هذه اللحظة، وكيف سأخفف من وطأة استلامي لهذه العذراء، الطاهرة البريئة، من الهيكل، وعدم معرفتي كيف أحفظها وفقًا للشريعة، كما جرت عادة والديّ؟ إذا سُئلتُ لماذا سمحتُ بتدنيس عذرية تلميذتي، فماذا سأجيب الكهنة والشعب؟ ما العدو الذي نصب لي هذا الفخ؟ أي لصٍّ سلب عذرية هذه الفتاة؟ من ارتكب هذه الجريمة في بيتي، وجعلني أضحوكةً وعارًا بين بني إسرائيل؟ هل أتحمل ذنب من فقد سعادته بسبب خيانة الحية؟
4 ثم قال يوسف وهو يضرب صدره، يئن أنينًا ممزوجًا بالدموع. وبعد ذلك، استدعى مريم ثانيةً، وقال لها: يا نفسًا تستحقين البكاء الدائم، يا من انغمستِ في ضلالٍ فظيع، أخبريني ما هو الفعل المحرم الذي ارتكبتِه! لأنكِ نسيتِ الرب إلهكِ، الذي صوّركِ في رحم أمكِ، أنتِ التي نالها والداكِ من العليّ، بفضل المعاناة والبكاء، واللذين قدّماكِ له بتقوى ووفقًا للشريعة؛ إذ كنتِ تُعيلين وتُربّين في الوقت المناسب؛ وأنكِ كنتِ تسمعين باستمرار تسابيح الرب وترنيمة الملائكة؛ وأنكِ كنتِ تُصغين باهتمام إلى قراءة الكتب المقدسة، وتستمعين إلى كلماتهم بخشوعٍ واحترام. وبعد وفاة والديكِ، بقيتِ في رعاية الهيكل، حتى اللحظة التي هُدّأتِ فيها من كل ميولكِ الخاطئة. لقد تلقيتَ تعليمًا وعلمًا بالشريعة الإلهية، ونلتَ، بكل فخر، بركة الكهنة. وبعد أن أُسندتَ إليّ، بأمر الرب وموافقة الكهنة والشعب أجمع، قبلتُكَ بكل إخلاص، وأقمتُكَ في بيتي، ووفرتُ لكَ كل احتياجاتكَ المادية، وأوصيتُكَ بالحكمة والتدبير حتى عودتي. فماذا فعلتَ إذًا؟ لماذا لا تُجيب بكلمة، وترفض الدفاع عن نفسك؟ لماذا، يا للأسف، انحدرتَ إلى هذا الضلال، وأصبحتَ مصدر عارٍ للجميع، رجالًا ونساءً وبشريةً جمعاء؟
5 فأطرقت مريم رأسها، وبكت وبكت. ثم قالت: لا تحكم عليّ باستخفاف، ولا تشكك في عذريتي، فأنا طاهرة من كل خطيئة، ولا أعرف رجلاً قط. فقال يوسف: إذن، أخبريني من أين جاء حملك. فقالت مريم: والله، لا أعرف ما تطلبه مني. فقال يوسف: لا أتكلم معكِ بعنف وغضب، بل أريد أن أسألكِ بودّ. أخبريني من دخل عليكِ أو قُدِّم إليكِ، أو إلى أي بيت ذهبتِ بتهور. فقالت مريم: لم أذهب إلى أي مكان قط، ولم أغادر هذا البيت. فقال يوسف: انظري إلى أمر عجيب! أنتِ لا تعلمين شيئًا، وأنا أرى يقينًا أنكِ حامل. من سمع أن امرأة تستطيع أن تحمل وتلد دون تدخل رجل؟ لا أصدق مثل هذه الأقاويل. قالت مريم: فكيف لي أن أرضيكم إذن؟ بما أنكم تسألونني بكل صدق في هذا الأمر، فأنا أشهد من جانبي أنني بريئة من كل ذنب، وأنني لا أعرف أحداً على الإطلاق. وإن حكمتم عليّ بتسرع، فستكونون مسؤولين أمام الله عني.
6 عندما سمع يوسف هذه الكلمات، دهش وخاف خوفًا شديدًا. وبدأ يفكر، فقال: يا له من أمرٍ عجيبٍ ومخيف! لا أفهم شيئًا من مجريات هذه الأحداث، فهي غريبة في حد ذاتها، وتفوق كل تصور، مما سمعناه بآذاننا، ومما تعلمناه من أسلافنا. لقد أصابني الذهول. إلى من ألجأ؟ من أستشير في هذا الأمر؟ لأني أتردد في فكرة أن الحقيقة، التي لا تزال سرًا، ستُكشف وتُخبر في كل مكان، وأن من يعلم بها سيسخر منا. قالت مريم: إلى متى ستظل غاضبًا مني، وتدينني بألفاظٍ لا معنى لها؟ ألن تُغرقني في إساءاتك؟ قال يوسف: لا أستطيع مقاومة الحزن والأسى اللذين حلا بقلبي. ماذا أفعل بكِ، وماذا سأجيب من يسألني عنكِ؟ وأخشى أنه إذا تبين أن الأمر استعراضي، وتم تداوله ذهاباً وإياباً مع فضيحة في الشوارع العامة، فإن شعري الرمادي سيصبح عاراً بين بني إسرائيل.
7 وانفجر يوسف في بكاء مرير، قائلاً: أيها الشيخ الحزين التعيس، لماذا قبلتَ دورك كوصي؟ لماذا أطعتَ الكهنة وجميع الشعب، حتى ترى شيبتك تُهان في شيخوختك وعلى وشك الموت؟ ولأنه لم يكن يعرف أي جانب ينحاز، بدأ يفكر، وقال في نفسه: ماذا سأفعل بهذه الفتاة؟ لأني لن أعرف ما سيحدث لها، ما دام الرب لم يكشف الأحداث التي تُعدّ، وأنا في كل هذا لم أفعله بإرادتي. لكني أعلم يقيناً أنه إن كانت المحنة التي أُبتلى بها من الله، فستكون لخيري، وإن كانت معاناتي من عمل العدو الشرير، فإن الرب سينجيني منه. ومع ذلك، لا أعرف كيف أتصرف. إن أدنت مريم، فسيكون ذلك خطأً فادحاً مني، وإن تكلمت عنها بسوء، فسيعاقبها الله عقاباً عادلاً. لذا سأحملها سراً هذه الليلة. ستُخرجها من البيت، وسأتركها تذهب بسلام حيثما تشاء.
8 ثم دعا يوسف مريم وقال لها: كل ما أخبرتني به، سواء كان صحيحًا أم خاطئًا، فقد سمعته وصدقته. لن أؤذيكِ، ولكني سأخرجكِ من المنزل الليلة وأودعكِ، لتذهبي حيثما تشائين. فلما سمعت مريم هذا، انهمرت دموعها. وخرج يوسف من بيته حزينًا، وغادره بلا وجهة محددة، وجلس يبكي ويضرب صدره.
9 9 فسجدت مريم على وجهها إلى الأرض، وقالت: يا إله آبائي، يا إله إسرائيل، برحمتك انظر إلى عذاب أمتك وخراب نفسي! لا تسلمني يا رب إلى عار العامة وازدرائهم. فأنت تعلم أن قلوب الناس غير مؤمنة، فأعلن اسمك أمام الجميع، ليعترفوا أنك أنت وحدك الرب الإله، وأن اسمك قد أُعلن علينا بنفسك. ولما قالت هذا، ذرفت مريم دموعًا غزيرة أمام الرب. وفي تلك اللحظة، خاطبه ملاك قائلًا: لا تخف، فها أنا معك لأنقذك من جميع ضيقاتك. تشجع وافرح. ولما قال هذا، انصرف عنها الملاك. فقامت مريم، وشكرت الرب.
10 في نهاية فترة ما بعد الظهر، عاد يوسف إلى المنزل صامتًا. وجلس، ونظر إلى مريم، فرآها سعيدة للغاية، وقد اتسعت ملامح وجهها. فقال لها يوسف: يا ابنتي، لأنني أراكِ على وشك الانفصال عني، والذهاب حيثما تشائين، يبدو لي أنكِ تبتهجين بشكل مفرط، وكان وجهه كوجه الرنة، مبتهجًا للغاية. فأجابت مريم: ليس الأمر كذلك، بل إني أشكر الله دائمًا، لأنه قادر على فعل كل ما يُطلب منه، ولأن الرب نفسه، الذي يفحص الضمائر والنفوس، لديه الإرادة والتدبير لإظهار أعمال البشر، أمام الجميع وأمام كل فرد على حدة.
11 وبعد أن قالت مريم هذا الكلام، صمتت. وظل يوسف في حزن شديد من الغسق إلى الفجر، ولم يأكل ولم يشرب. ولما غلبه النعاس، ظهر له ملاك الرب في رؤيا ليلية، وقال له: يا يوسف ابن داود، لا تخف أن تحفظ مريم زوجتك تحت وصايتك، لأن ما حبلت به من الروح القدس هو يسوع. وستلد ابناً في العالم، وستدعو اسمها يسوع. فاستيقظ يوسف، وقام، وصلى، وقال: يا إله آبائي، يا إله إسرائيل، أشكرك يا رب، وأمجد اسمك القدوس، يا من استجبتَ لدعائي، ولم تتخلَّ عني في شيخوختي، بل على العكس، منحتني الأمل في العزاء والصحة، وأزلتَ الحزن والأسى من قلبي، وحفظتَ العذراء مريم طاهرة من كل دنس أرضي، حتى إنها منذ هذه الليلة تبدو لعيني متألقة كالنور. وبعد أن عبّر عن نفسه بهذه الطريقة، امتلأ يوسف فرحًا، وسبّح خالق الكون.